كشفت استغاثات مزارعي قرية غزالة التابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية عن أزمة زراعية وإنسانية تهدد نحو 400 فدان من محصول البنجر بالتلف الكامل، بعدما بقيت أطنان من المحصول في العراء لأكثر من 10 أيام دون نقل إلى مصنع سكر بلقاس.

 

وتضع الأزمة وزارة الزراعة ومحافظة الدقهلية وإدارة المصنع أمام مسؤولية مباشرة، لأن الفلاحين التزموا بالتعاقدات الرسمية ودفعوا تكلفة الموسم من الديون وقوت أسرهم، ثم وجدوا المحصول الاستراتيجي يتحلل تحت الشمس، بينما تُمنح الأولوية، بحسب شكواهم، لكبار المزارعين وأصحاب المساحات الواسعة.

 

حسين أبو صدام: غياب الإرشاد والنقل يحول البنجر إلى خسارة

 

أطلق أكثر من 40 مزارعًا في قرية غزالة استغاثات عاجلة لإنقاذ محصول البنجر، بعدما تُركت كميات كبيرة منه ملقاة في الحقول والطرق الزراعية، في مشهد يعكس فشل منظومة التوريد قبل أن يعكس أزمة محصول عابرة.

 

ويقول المزارعون إنهم نفذوا التعليمات المطلوبة، وتحملوا نفقات الزراعة من قوت أولادهم، ثم شاهدوا المحصول مرميًا في الأرض لأكثر من 10 أيام، يتحلل أمام أعينهم دون تدخل سريع من الجهات المسؤولة.

 

وتخدم رؤية حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، هذا المحور لأنه سبق أن ربط أزمات البنجر بغياب دور الإرشاد الزراعي وتوعية المزارعين بمواعيد الحصاد والتوريد، مؤكدًا أن توقف الوزارة عن تعيين المرشدين ساهم في تفاقم الأزمات الزراعية.

 

وفي حالة غزالة، لا يقف الخلل عند موعد الحصاد فقط، بل يمتد إلى غياب خطة نقل عادلة وواضحة، لأن الفلاح الصغير لا يملك شاحنة بديلة ولا قدرة تفاوضية مع المصنع عند تأخر سيارات التوريد.

 

لذلك تبدو الأزمة نتيجة طبيعية لمنظومة تترك الفلاح وحده بعد الحصاد، فالإرشاد غائب، والنقل متعطل، والرقابة لا تظهر إلا بعد تحول المحصول إلى خسارة واقعة، بينما يتحمل المزارع الدين والفائدة وتلف الأرض.

 

أحمد السيد عطية: التأخير يضرب نسبة السكر ويدفع الفلاح ثمن الفوضى

 

تؤكد شكوى المزارعين أن المساحات المتضررة في قرية غزالة تقدر بنحو 400 فدان، وهي مساحة كافية لتحويل الأزمة من مشكلة أفراد إلى تهديد اقتصادي لموسم كامل في نطاق زراعي يعتمد على البنجر كمصدر دخل رئيسي.

 

وترتبط هذه المساحات بتعاقدات رسمية مع مصنع سكر بلقاس، لكن المزارعين يقولون إن سيارات النقل لم تصل بعدالة، وإن كبار المزارعين حصلوا على أولوية في الرفع، بينما تُرك صغار الفلاحين أمام تلف المحصول.

 

ويوضح الدكتور أحمد السيد عطية، رئيس قسم التربية والوراثة بمعهد المحاصيل السكرية، أن تأخر توريد البنجر يؤثر على نسبة السكر في المحصول، وهو ما يعود بالخسارة على المزارع مباشرة، خصوصًا مع تعرض الجذور للحرارة قبل التصنيع.

 

وتشرح هذه الرؤية خطورة ترك البنجر في العراء، لأن التلف لا يعني فقدان وزن المحصول فقط، بل يعني انخفاض جودته الصناعية وتراجع قيمته عند الاستلام، وبالتالي انتقال ثمن التأخير من المصنع إلى جيب الفلاح.

 

كما أن تعرض البنجر للشمس لفترة طويلة يؤدي إلى تدهور جزء من السكر في الثمار، وهي نقطة حذر منها عطية أيضًا عند حديثه عن تأثير الحرارة المرتفعة بين الحصاد والتوريد على نسبة السكر داخل الجذور.

 

وبذلك لا يصبح تأخر سيارات النقل إجراءً إداريًا بسيطًا، بل قرارًا فعليًا بتقليل دخل الفلاح، لأن كل يوم انتظار يخصم من جودة المحصول، ويزيد احتمال رفض بعض الكميات أو تسعيرها بأقل من المتوقع.

 

نادر نور الدين: المنظومة بلا مايسترو والفلاح الصغير يدفع الثمن

 

تزداد أزمة غزالة قسوة مع ارتفاع تكلفة زراعة الفدان الواحد من البنجر إلى نحو 40 ألف جنيه، وفق شكاوى المزارعين، ما اضطر كثيرين إلى الاستدانة من أجل تجهيز الأرض والتقاوي والري والأسمدة والعمالة.

 

ويعني ذلك أن تلف المحصول لا يساوي خسارة إنتاج فقط، بل يعني سقوط أسر كاملة في دائرة ديون جديدة، لأن المزارع بنى حساباته على التوريد والسداد بعد الموسم، ثم اصطدم بتأخر الاستلام.

 

وتخدم قراءة الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الاقتصاد الزراعي والمياه بجامعة القاهرة، هذا المحور لأنه وصف المنظومة الزراعية بأنها تدار بلا مايسترو، وأكد أن الفلاح لا يشعر بوجود سياسات زراعية واضحة، وأن ارتفاع المدخلات والتقلبات الحادة يتحملها صغار المزارعين.

 

وفي غزالة، تظهر هذه الفوضى في أبسط نقطة تشغيلية، وهي ترتيب سيارات النقل بين المزارعين، فغياب العدالة في التوزيع يحول التعاقد الرسمي إلى ورقة ضعيفة إذا لم تلتزم الدولة والمصنع بجدول استلام معلن.

 

كما تكشف الأزمة أن الحكومة تتحدث كثيرًا عن المحاصيل الاستراتيجية، لكنها لا توفر شبكة حماية عملية لصغار المنتجين، فلا توجد آلية تعويض واضحة عند تأخر المصنع، ولا لجنة عاجلة تقيس الضرر قبل تفاقمه.

 

ومن هنا يصبح المزارع الطرف الأضعف في معادلة مختلة، لأنه يدفع التكلفة مقدمًا، ويتحمل المخاطر المناخية والتمويلية، ثم ينتظر قرار المصنع وسيارات النقل، بينما لا يجد جهة حكومية تلزمهما بإنقاذ الموسم في وقته.

 

سعد خليفة: انهيار الإرشاد الزراعي يترك القرى بلا سند

 

تعود أزمة بنجر غزالة إلى خلل أوسع من مصنع واحد، لأن تكرار شكاوى التكدس وتأخر الاستلام في مواسم سابقة يكشف أن الدولة لم تبن منظومة توريد تمنع الكارثة قبل وقوعها.

 

وقد حذرت نقابة الزراعيين، على لسان نقيبها سعد خليفة، من تناقص أعداد المرشدين الزراعيين، حيث وصلت الأعداد إلى نحو 1500 مهندس في 2016 لخدمة آلاف القرى وملايين الأفدنة، مع توقعات بتفاقم العجز لاحقًا.

 

وتخدم هذه الشهادة المحور الرابع لأنها تشرح لماذا يظل الفلاح في قرية مثل غزالة بلا سند فني أو إداري وقت الأزمة، فغياب المرشد لا يعني نقص النصيحة فقط، بل غياب وسيط يربط الفلاح بالوزارة والمصنع.

 

وعندما تختفي هذه الحلقة، يتصرف كل طرف وحده، فيحصد المزارع وفق ضغوط الموسم، ويستلم المصنع وفق طاقته ومصالحه، وتتدخل الحكومة بعد تراكم الخسائر لا قبلها، بينما يدفع صغار الفلاحين الفاتورة الأكبر.

 

وفي ظل تفاقم الخسائر، وجه مزارعو غزالة مناشدة عاجلة إلى وزير الزراعة ومحافظ الدقهلية ووكيل وزارة الزراعة وإدارة مصنع سكر بلقاس، مطالبين بإرسال سيارات النقل فورًا ورفع المحصول قبل فقدانه بالكامل.

 

وتحتاج الأزمة إلى لجنة معاينة عاجلة تثبت حجم التلف، وتحدد المسؤول عن تأخر النقل، وتلزم المصنع بجدول استلام عادل، وتفتح باب تعويض للمزارعين الذين التزموا بالتعاقد ولم يحصلوا على حقهم في التوريد.

 

وفي النهاية، لا تبدو مأساة بنجر غزالة حادثًا ريفيًا محدودًا، بل نموذجًا مكثفًا لطريقة إدارة الفلاح المصري: الدولة تطالبه بزراعة محصول استراتيجي، ثم تتركه وحيدًا أمام الشمس والديون والمصنع والشاحنات المتأخرة.

 

رابط الفيديو: